slide 11
slide 10
slide 9
slide 8
slide 7
slide 6
slide 5
slide 4
slide 3
slide 2
slide 1
Logo
Logo

سنًــار العاصمة الثقافية


الدلالات والمعاني لاختيار سنّار عاصمةً للثقافة الإسلامية عام 2017
إن إحياءَ العواصم الإسلاميةِ التاريخيةِ ومحاولةِ البحثِ والتنقيبِ عن الإرثِ الإسلامي الثرَّ الذي لم يلقَ حظاً من الاهتمام، لهو ملمحٌ مهمٌ ودليلٌ قاطعٌ على استئنافِ مشروعٍ تنويريٍّ إسلاميٍّ مهم، وقد أدركَ ممثلو العالم الإسلامي في المنظمةِ الإسلاميةِ للثقافةِ والعلومِ أن تطلعَ الأمةِ لاستعادةِ مجدِها لن يتأتى ما لم يتكئ على أساسٍ متينٍ من احترامِ الماضي وإحيائه، فشرعَ المؤتمرونَ في باكو، بجمهوريةِ أذربيجان في أكتوبر 2009/ شوال 1430، من وزراءِ الثقافةِ في المؤتمرِ الإسلامي السادسِ، في اختيارِ عواصم دورية للثقافةِ الإسلاميةِ تكون مدخلاً لإحياءِ التراثِ الإسلامي الذي نشأ وتبلور فيها. وتم اعتماد لائحة عواصم الثقافةِ الإسلاميةِ للفترة من عام 2015 حتى عام 2024م؛ وتم اختيار سنَّار لتكون عاصمة للثقافةِ الإسلاميةِ في عام 2017م. وبطبيعة الحال فإن اختيار سنَّار عاصمةً للثقافة ِالإسلاميةِ لم يكن من بابِ المصادفةِ، فقد مثَّلت مملكة سنَّار الإسلامية علامةً مضيئةً في رفعِ رايةِ الإسلامِ والحفاظِ علي الموروثِ الإسلامي بعد سقوطِ دولةِ الأندلسِ، واستمرت ترفعُ هذه الرايةَ لأكثرَ من ثلاثمائةِ عامٍ، لكن المصادفة هنا، بل سمِها لطفَ الأقدارِ إن شئت، أن يوافق هذا الاختيار مناسبة مرور خمسمائة عام على إنشاءِ سلطنةِ سنَّار. ولم تكن سنَّار حاضرةَ أولِ سلطنةٍ إسلاميةٍ في سودانِ وادي النيلِ وحسب، وإنما أصبحت، بموقعِها الجغرافيِّ في صدرِ السودانِ وبتركيبتِها السكانيةِ التي استوعبت جُلَّ الأعراقِ السودانيةِ، أصبحت عنواناً للبلادِ ومركزاً مهماً للإشعاعِ الثقافيِّ والإسلاميِّ في أفريقيا، كما جسَّدت التّمازجَ العرقيِّ والثقافيِّ في ظلِ الروحِ الإسلامي، فهي مثالٌ للتسامحِ الإسلاميِّ وتصالحِه مع الثقافاتِ المحليةِ، الأمر الذي دفع بعض منظري الهُوُّية السودانية لاعتبار سنَّار نموذجاً حياً للتمازج العرقي والثقافي في البلاد بل وصارت دلالة هذا الاسم تنسحب على كل أنحاء السودان، فأشارت المصادر التاريخية إلى الرواق السنَّاري في الأزهر، والقافلة السنَّارية في طريق القوافل التجارية، وكلتا الإشارتين تدلان على عموم السودان، وقد عرف أهل سودان وادي النيل في الحجاز ومصر في عهد مملكة سنَّار بالسنَّارية؛ وربما وصفوا بالسنانير كما أشار لهذا الوصف المادح حاج الماحي في رائعته "شوقك شوى الضمير" واصفاً رحلة الحجيج السوداني إلى بيت الله الحرام: يا ربي فوق ظهير نمرُ مع الخبيـر نِندلا في القصيـر تأتينا البوابيــر نوصل مدينة الخير النايب والمديـر قالوا لنا بي تبشير حباب السنانيـر نخش على البشير نقري السلام كثير والحق أن مدينة سنَّار قد جسَّدت بموقعها الجغرافي وتركيبتها السكانية والاجتماعية، نموذجاً مصغراً للسودان مما دفع العديد من المفكرين والمثقفين والسياسيين لاعتبارها بوتقة انصهرت فيها مكونات السودان الكبير. وقد اقترح في فجر استقلال السودان اسم سنَّار للدلالة على السودان الوليد، إلا أن الرئيس إسماعيل الأزهري فضل اسم "السودان" الذي عرفت به البلاد منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومع ذلك فقد ظلت سنَّار أنموذجاً للانصهار يحلم بتكراره مثقفو السودان خصوصاً في فترة السبعينيات، فأفرزت غريزة الشاعر محمّد عبد الحي أناشيد العودة إلى سنَّار: الليلة يستقبلنى أهلى أهدونى مسبحةَّ من أسنان الموتي إبريقاً، جمجمةً، مُصلاَّة من جلد الجاموسْ رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ على ضوء هذه الرمزية التي تمثلها سنّار فإن الاحتفاءَ بسنَّار يعني الاحتفاءَ بمختلف المواقع والمناطق والمدن ذات الدلالات الثقافية والإسلامية في السودانِ مثل: دنقله، الدامر، سواكن، حلفاية الملوكِ، العيلفون، أربجي، تقلي، الفاشر، وغيرها من المدنِ السودانيةِ التي كانت بؤرة ضوء للإشعاع العلمي الإسلامي في مختلف الحقب. الأمر الذي يضفي علي هذا الحدث بعدَه الحقيقي ويلقي الضوء على عمقِ الثقافةِ السودانيةِ ومقدرتِها علي استيعابِ كافةِ الثقافاتِ وصهرها في بوتقةٍ ثقافيةٍ إسلاميةٍ سودانيةٍ لها خصوصيتها ورمزيتها. لقد جعل حسن المصادفة مدينة سنَّار أبرز وعاء مادي حضاري حمل مكنون الإسلام والثقافة العربية في تصالح فريد مع العناصر المحلية الأفريقية: فكراً وعقيدة وقيماً وأنماطاً سلوكية، فهيأت هذه المدينة الإسلامية مجتمعها التهيئة الحضارية اللازمة للتوافق مع رسالة الإسلام، فنصرته وناصرته، وعبرت به وعنه على مدى ثلاثة قرون. وترجح الروايات أن سنَّار، عاصمة دولة الفونج الإسلامية، اسم لجارية كانت أول من سكن المنطقة ثم عمرت وأصبحت مقراً لأحد نواب عمارة دونقس واختطها عمارة دونقس فيما بعد عاصمة له. ونتيجة لتلاقح التيارات البشرية المختلفة وتكامل جهودها تم إقامة صرح سياسي جديد توحدت فيه مملكة العبدالَّلاب وأراضي سلطنة الفونج وما أضيف إليهما من ديار البجة في الشرق وأجزاء كبيرة من كردفان في الغرب، وبهذا أصبح الصرح الجديد أكبر نطاق جغرافي متحد في وادي النيل الأوسط منذ مملكة مروي. وصارت سنَّار مدينة لا يستهان بها لها علاقات مع أجزاء من أفريقيا وأجزاء من بلاد آسيا مثل الهند والجزيرة العربية، وأصبحت قوة ضاربة لنشر الإسلام والعلم في البلاد، كما استفادت من التراث المعماري لدى سكان الشمال الموغل في التاريخ إلى الحضارات القديمة في نبته ومروي، وعمرت الديار عماراً عظيماً حتى أصبحت قبلة لكل محتاج لعلم أو رزق أو حماية، وفي ذلك تورد مخطوطة كاتب الشونة أبيات للشيخ عمر المغربي مادحاً للسلطان بادي الرابع، يقول مطلعها: أيا راكباً يسري على متن ضامـــــرٍ إلى الغرب يهدي نحو طيب الذكر (...) لك الخيرات إن وافيت سنَّار قف بها وقوف محب وانتهز فرصة العمر وألق عصا التسيار في سوح نفســــها تجد كل ما تهوى النفوس من أمر وعن دور سلطنة الفونج في حماية راية الإسلام والزود عنها يقول: "إلى حضرة السلطان والملك الــذي حمى بيضة الإسلام بالبيض والسمر هو الملك المنصور بادي الذي لــه مناقب قد جلت عن العد والحصـر (...) حمى حوزة الدين الحنيف بالقنا وأصبح صدر للعلا حايز الصـدر ويجرد للإسلام والملك صارمـــاً أباد به الطواغيت والكفـــــر وجاهدهم في الله حق جهــــاده وفاز بأنواع المثوبة والأجـــر" سليل ملوك الفونج والسادة الأولـى علا مجدهم فوق السماكين والنشر لقد كانت سنَّار مركزاً تبلور فيه جيل طويل من التجربة الإنسانية التي خاضها سودان وادي النيل، الذي كان مهد الحضارات السودانية القديمة؛ فعلى ضفاف نهر النيل الضيقة الممتدة من الشلال الأول حتى ملتقى النيلين الأزرق والأبيض ازدهرت مملكة مروى، أو كوش، (750ق.م.– 350م)؛ ومن بعدها الممالك المسيحية الثلاث: نوباتيا، المقره وعلوه (580–1450م)، فانتشرت في البلاد الديانة المسيحية مع كريم المعتقدات الأفريقية وساهمت في إعطاء البلاد رابطاً روحياً تأسست على إثره هذه الممالك. وكان قوام هذا الإنجاز الشعوب المستقرة التي تفلح الأرض. وفي قصيدة أخرى للشيخ عمر المغربي يذكر شيئاً عن جمال سنَّار وهيئتها وعمارها ندخل به لمناقشة أمر العمارة في سنَّار، يقول الشيخ عمر المغربي: لك الخير إن وافيت سنَّار قف بها وقوف محب ذي وفاء وذمة وألق عصا التسيار في سوح أرضها تجد راحة فيها وأوفر حرمة وصابح رعاك الله طيب نسيمــها ومنظرها الباهي بأجمل هيئة وعرِّج على قصر العزيز مليكــها جميل المحيـا زين كل قبيلة" تعكس هذه الأبيات، رغم لإيجازها، مدى الازدهار المعماري الذي شهدته سنَّار: "منظرها الباهي بأجمل حلة"، "قصر العزيز مليكها". ولعله من الطبيعي أن يزدهر الفن المعماري في مدينة سنَّار إذ أن المسلمون اعتبروا العمارة من مظاهر عظمة الملك وواجباته. وأكد الفكر الإسلامي على أن العمارة سبيل الملك بما تدره من الأموال عندما اعتبر أن "الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالعمارة". وتردد صدى هذا الفكر في سياسة حكام المسلمين مثل الخليفة المعتصم الذي قال: "إن العمارة فيها أمور محمودة، أولها عمران الأرض التي يحيا بها العالم، وعليها يزكو الخراج، وتكثر الأموال، وتعيش البهائم، وترخص الأسعار، ويتسع المعاش"، وكان يقول لوزيره: "إذا وجدت موضعاً متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاء بعد سنة أحد عشر درهما، فلا تؤامرني فيه". ويقرر ابن خلدون، بنظرة شاملة، أن "الدولة والملك للعمران بمنزلة الصورة للمادة، وهو الشكل الحافظ لنوعه لوجودها. وانفكاك أحدهما عن الآخر غير ممكن على ما قرر في الحكمة. فالدولة دون عمران لا تتصور، والعمران دونها متعذر..". ومن أسف أنه ليس لدينا وصف واضح للعمارة في دولة الفونج لكن نستشف من بعض ما ورد في مخطوطة كاتب الشونة حول وصف الجامع العظيم في سنَّار، وقصر الحكومة، أن سناَّر لم تتأخر عن توجه الفكر الإسلامي نحو العمران، وأنها قد عرفت البنيان الرأسي الشاهق حتى أن قصر الحكومة وصل إلى خمسة طوابق، وقد خصصت لمهمات الدولة وإدارة شئونها. ومن المنشآت المميزة في سنَّار والتي تعطي صورة حسنة على طبيعة الحكم في دولة الفونج "دكة من ناداك" وهي مصطبة بنيت في الميدان المجاور للقصر تحت سقيفة عالية أمام سور الدواوين، ورفعت هذه الدكة المستطيلة بأعمدة من الجبص، ليلجأ إليها المظلوم أو صاحب الحاجة ومن فوقها يصيح بشكواه. وفي إنشائها، وقرب موقعها من تلك الدواوين ما يدلل على قرب الصلة بين الحاكم والمحكوم ويعبر عن قدر من الشفافية لدى حكام الفونج. وهو ضرب من ضروب المدنية وتطور نظام الحكم في سلطنة الفونج. وبحسب ما أورده كاتب الشونة فقد بقيت هذه العمارة قائمة حتى مطلع الحكم التركي في السودان 1821م. وفي ظل الشراكة بين الفونج والعبداللاب ولد نوع من الإستقرار والوحدة السياسية مهد الى نشر تعاليم الإسلام والثقافة العربية بطريقة أعمق وأشمل مما كان عليه الحال قبل قيام السلطنات الإسلامية. فحتى مطلع القرن السادس عشرلم يضرب الإسلام بجذور عميقة في كل البلاد. وما تحقق من نشر الدعوة الإسلامية كان نتيجة لجهود المهاجرين وجلهم من البدو والتجار وهم ممن تنقصهم الثقافة الدينية العميقة. وقد ساهم بعض العلماء في بث تعاليم الإسلام وتعميق مفاهيمه، قبل قيام سلطنة الفونج، ولكن عددهم كان قليلاً. وحقيقة الأمر أن كثيراً من زعماء الأسر من فقهاء ومتصوفة كانوا يتمتعون بنفوذ عظيم بين المواطنين نتيجة الإحترام الذي أسبغوه عليهم. ونتيجة للخدمات القيمة والمساعدات التي يبذلونها. فكثيراً ما وقف الفقرا (جمع فكي) في صف الضعفاء ضد ظلم الحكام وقسوة الطبيعة. كما أنهم بتقديم الصدقات وإيواء أبناء السبيل في مجتمع يفتقد فاعلية الدولة بذروا نواة وحدة واستقرار بين مريديهم وأتباعهم مما خلق نوعاً من التماسك والترابط بين المجموعات المختلفة في إطار الدولة المسلمة. واستقل الفقرا هذه المكانة الأدبية في حل المنازعات مثل ما فعل الشيخ ادريس ود الأرباب عندما أصلح بين عدلان الأول سلطان الفونج، ونائبه علي الجزء الشمالي من السلطنة الشيخ عجيب ملك العبدالَّلاب في عام 1016/1612 وكان بعض الملوك لا يقدمون علي عمل هام دون مشورة هؤلاء الفقرا ومباركتهم. ولا غرابة أن يردد ود ضيف الله في تراجم الكثير منهم عبارة " وكانت لا ترد له شفاعة". وقد أعطي الشيخ إدريس "حق الشفاعة" (أي الوساطة وفض المنازعات والصلح بين المتناحرين). كما جمع بعض الزعماء الدينيين أو الفقرا مثل الشيخ حسن ود حسونة والمجاذيب بين المكانة الدينية السامية والثراء والنفوذ السياسي. أدت طبيعة الدولة الفضفاضة وسعة رقعتها وتباين أعراقها وتنافس المشيخات إلى ضرورة إنشاء جيش مدرب ذي كفاءة قتالية عالية. وفي البدء كانت الدولة تعتمد على نوعين من الجنود: أولهما المقاتلون التقليديون المجندون من القبائل كافة ويشملون الخيَّالة والأبَّالة. وثانيهما "جنود لولو" الذين أسهموا في قيام الدولة وفي المحافظة على تقاليدها. ومنذ عهد السلطان بادي أبو دقن بدأت الدولة تقلل من اعتمادها على الجنود التقليديين. فقد استغل السلطان الأعداد الكبيرة من أسرى حروب كردفان، خاصة منطقة جبال النوبة، وكوَّن منهم جيشاً أشبه بالجنود المماليك في مصر وغيرها، وكان ولاء هذا الجيش الأول للسلطان. وتكاثر عدد هؤلاء الجنود بالسبي والشراء. وعند زيارة بروس لسنَّار كانت الدولة تعتمد على جيش مدرب عماده الخيَّالة ذوي الأسلحة الثقيلة، وكان الفارس يتدثر بقميص من الحديد وقلنسوة من النحاس ويحمل رمحاً وسيفاً عريضاً ودرعاً بيضاوي الشكل. وكان جلَّ هؤلاء الخيالة من السود، وكانوا يمتطون صهوات جياد حسان سود اشتهرت بالأصالة وقوة الاحتمال. وكان هذا الجيش المدرب الكفء بمثابة القوة الضاربة المدخرة لمواجهة الأخطار الكبرى. ولم يكن عدد هذا الجيش كبيراً إذ أن تكاليف إعداده وتسليحه باهظة الثمن، ولم تكن هذه التكلفة ميسورة إلا للفونج والعبدالَّلاب، وكان لكل حاكم إقليم جيشه الخاص به، وفي حالات المخاطر الكبرى كانت الدولة تستدعى جيوش الأقاليم للمشاركة في درء تلك الأخطار. وكان لبَّ الجيش من الفرسان الذين يكونون جزءاً هاماً من الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، وكانوا يتوارثون تلك المهنة، وكانت بعض أسلحتهم تستورد من الخارج، إلا أن الصناع السودانيين كانوا يجيدون صناعة الدروع الفولاذية. وفي عهد السلطان بادي الأحمر (1696-1716م) بدأت عملية تحديث للجيش وذلك بإدخال بعض الأسلحة النارية كالبندقية والمدفع، والأخذ بنظام التدريب العسكري المعمول به عند مماليك مصر. وقد استقطبت الدولة بعض الأوربيين لإنشاء مسبك لصناعة المدافع. وعند تمام سنة 1700م صار للسلطان فرقة خاصة من حملة البنادق الصغيرة قوامها مئتي جندي، ولكن استعمال المدافع لم يكن أمراً عملياً في بلد لا تستعمل فيه عربات النقل. ولعل أهم الحروبات التي خاضها هذا الجيش، دفاعاً عن المملكة الإسلامية، والتي تردد صداها في العالم الإسلامي، الحروبات مع الحبشة. كما بلغت دولة سنَّار شأواً رفيعاً في التجارة والرخاء الاقتصادي، بلغ قمته في عهد الملك بادي الرابع، فبلغت تجارتها الهند ومصر والجزيرة العربية وأجزاء واسعة من إفريقيا. وتردد عليها التجار المسلمون والأقباط المصريون واليهود والأتراك والأحباش والأرناؤوط (الألبان) والبرتقاليون، والأغاريق، والأرمن. وكان السلاطين شبه محتكرين لتجارة القوافل ولهم وكلاء في القاهرة وجدة. وكان للحريات التي أتاحتها الدولة وسياسة الانفتاح كبير الأثر على ذلك الازدهار فلم تقف الدولة عند قضية دين أو عرق أو نوع لتشكل حاجزاً أمام التجارة، حتى أن امرأة يقال لها فاطمة بنت سالم، وهي زوجة عمار بن عبد الحفيظ خطيب وإمام مسجد سنَّار، وعاشت في الربع الأخير من القرن السابع عشر، كانت من سيدات الأعمال في سنَّار ومن أغنى تجارها وكانت تستورد البضائع من مصر والهند وتصدر إليهما بضائع وسلع أخرى. ومن الهند استوردت الدولة الحرير والصندل والتوابل والبهارات وخشب السُرتي المستورد من مقاطعة سرات الشهيرة بالهند، كذلك العطور والفِرك السُرتية والثياب البنقالية وغيرها. وصدَّرت الذهب والعاج والضفر. وليس أبلغ في وصف حالة دولة الفونج الاقتصادية مما ذكره الرحالة الألماني كرمب حيث يقول: "وليعلم القارئ أن سنَّار أقرب لأن تكون أعظم مدينة تجارية في إفريقيا فإن القوافل التجارية ترد إليها من القاهرة ودنقلا ودارفور وبرنو وبلاد النوبة ومن وراء البحر الأحمر ومن الهند وأثيوبيا وغيرها. فهي مدينة كبيرة تقطنها وتتردد عليها مجموعات من كل الأجناس والأديان دون أي صعوبة، وتأتي بعد القاهرة من حيث كثافة السكان، وفيها سوق كبير يفتح أبوابه على مدار أيام الأسبوع في ميدان المدينة، وتباع فيه أنواع البضائع والأواني والأقمشة وسن الفيل والأبل والخيل والحمير والحطب والبصل والتمر وغيرها من السلع. واستفادت الدولة من ميناء سواكن للتجارة مع الجزيرة العربية والانفتاح على آسيا. كل ذلك كان يدور في فلك الخلافة الإسلامية الاقتصادي والسياسي والمعنوي أو Paxa Islamica. خاتمة إن قيام سلطنة الفونج الإسلامية وتطورها العملاق قد أسس على تفاعل طويل المدى عميق الأثر بين ثلاثة روافد هي التيار السوداني والإسلامي والعربي. وكان الإسلام جوهراً وإطاراً هو المحرك الأساسي في تفاعل هذه التيارات وما خلّفته من تراكمات عرقية ودينية وثقافية واجتماعية على شعوب سودان وادى النيل. وقد جسَّدت سنَّار على مدى نحو ثلاثمائة عام نموذجاً للمدينة التي يذوب فيها الولاء القبلي، بل وحتى الولاء القومي، تحت تأثير الانتماء لعناصر المزيج الحضرية، فتخلى كثير ممن التحق بها من الحجاج القادمين من غرب أفريقيا عبر طريق الحج السوداني، الذي كانت سنَّار من أهم محطاته، تخلوا عن انتمائهم لقومياتهم المختلفة وتماهوا روحاً وكياناً في هذه المدينة الإسلامية. ولعلي لا أغالي إن قلت أن سنَّار كانت إحدى ثلاث مدن على طول سودان وادي النيل عرفت الانتماء للمدينة وليس للقبيلة أو القومية، وهي سنّار (والمنتمي إليها سنَّاري)، ودنقلا (والمنتمي إليها دنقلاوي)، وسواكن (والمنتمي إليها سواكني). لقد مثَّلت مملكة سنَّار الإسلامية علامة مضيئة في رفع راية الإسلام والحفاظ علي الموروث الإسلامي بعد سقوط دولة الأندلس، واستمرت ترفع هذه الراية لأكثر من ثلاثمائة عام، فسنَّار لم تكن حاضرة أول سلطنة إسلامية سودانية في سودان وادي النيل وحسب، وإنما أصبحت عنواناً للبلاد ومركزاً مهماً للإشعاع الثقافي والإسلامي في أفريقيا، كما جسَّدت التمازج العرقي والثقافي في ظل الروح الإسلامي، فهي مثال للتسامح الإسلامي وتصالحه مع الثقافات المحلية. لذا لم أكن متفاجئاً، بأي حال من الأحوال، باختيار المجتمعين في المؤتمر الإسلامي السادس لوزراء الثقافة في باكو، لسنَّار عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2017 م، الأمر الذي يعتبر إضافة حقيقية للرصيد التاريخي والثقافي للأمة السودانية وامتداداً طبيعياً للدور الذي ظل يلعبه السودان في الحفاظ علي الثقافة الإسلامية علي مدي التاريخ. وآمل أن تكون هذه الاحتفالية فرصة لنعيد هذه المدينة العظيمة ما تستحقه من هيبة وجلال وذلك بدعم وإجراء البحوث العلمية حول تاريخ وآثار هذه المملكة الذي لا نعرف عنه سوى القليل، والقليل جداً.

Loading