slide 11
slide 10
slide 9
slide 8
slide 7
slide 6
slide 5
slide 4
slide 3
slide 2
slide 1
Logo
Logo

تـــاريخ سنــــار


تـــاريخ سنــــار

كان نهر النيل مهد الحضارات السودانية القديمة؛ فعلى ضفافه الضيقة الممتدة من الشلال الأول حتى ملتقى النيلين الأزرق والأبيض ازدهرت مملكة كوش، أو مروى، (750ق.م.– 350م)؛ ومن بعدها الممالك المسيحية الثلاث: نوباتيا، المقره وعلوه (580–1450م)، وكان قوام هذا الإنجاز الشعوب المستقرة التي تفلح الأرض. وقد شهد العهد الكوشي، المتأثر بالحضارة الفرعونية، النظام الملكي وازدهار القرى والمدن وغيرها – من المظاهر الحضرية- متخطياً بذلك مرحلة التكوينات القبلية البدائية، وينعكس هذا التحول الكبير في النظام الاجتماعي والسياسي والتطور الاقتصادي الذي حققته البلاد نتيجة توسعها التجاري خاصة التجارة الخارجية وما سبق ذلك من استغلال للسهول الممتدة حتى منطقة سنّار؛ وما صاحبه من فتح للطرق البرية، خاصة طرق القوافل التي تربط مروي بالمناطق الاستوائية وأواسط بلاد السودان ومصر وموانئ البحر الأحمر.
 وفي منتصف القرن الرابع الميلادي سقطت إمبراطورية مروى نتيجة عوامل كثيرة، لعل من أهمها كساد التجارة العالمية، وتكاثر هجمات القبائل من شرق النيل وغربه، وأخيرا الغزو الأكسومي. وبسقوط مروى تجزأت المملكة إلى زعامات صغيرة أو مشيخات قبلية. وقد أدى تغلب قبائل النوبة، الوافدة من الغرب والجنوب، على أجزاء كبيرة من السهول الكوشية، إلى نكوص مجتمعاتها وتردى ثقافاتها إلى بدائية العهود القبلية.
 أعقب تفكك مروى قيام ثلاث ممالك مستقلة تعرف في المصادر العربية المعاصرة ببلاد النوبة. وتشكل هذه المنطقة الواقعة على أراضي السافنا الممتدة بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي الجزء الشرقي من بلاد السودان القديم. وعند نهاية القرن التاسع عشر استعمل مصطلح السودان في اطراد على بلاد السودان الشرقية؛ ويشير تعبير سودان وادي النيل إلى المنطقة الممتدة من جنوب مصر إلى ما وراء سنّار.
 في مستهل القرون الوسطى تأثرت الممالك الثلاث بتيارين ثقافيين ساميين كان لهما أثر عظيم على تاريخ البلاد الاجتماعي، والثقافي، والسياسي. أولهما انتشار المسيحية في نحو عام 580م، وقد ظلت نافذة المفعول لقرون ثمانية. ولكن ما أن أحرزت المسيحية النصر، ولم يمض أكثر من قرن من الزمان، حتى هبت نسائم التيار الثاني- الإٍسلام- على مصر وبلاد النوبة. ودخلت المسيحية بلاد النوبة بواسطة أقباط مصر ورسل الإمبراطورية البيزنطية. وقد انتشرت أولاً بين النخبة الحاكمة ثم عامة المواطنين إلاّ أن أثرها على الشعوب القاطنة شرق النيل وجنوب سنّار وإلى الجنوب الغربي منها كان ضئيلاً.
وعند نهاية القرون الوسطى ذبلت تلك الحضارة، وتضعضع استقرار ممالك النوبة، وضمر رخاؤها نتيجة عوامل داخلية وخارجية. وقد أفضت روح الإقطاع العسكرية الوافدة من أوربا والشرق الأدنى المعاصرين، في ما يبدو، إلى ظهور إقطاعيات محلية يرأسها سادة إقطاعيون. وعمد هؤلاء على بناء قلاع عسكرية ذات هدف دفاعي؛ وأيضا زادت حدة التنافس بين المطالبين بالعرش. وتبين هذه العوامل بعض مظاهر الوهن الداخلي. ومن الخارج أفضى تدخل المماليك العسكري في شئون النوبة بين 1275و1365م، وتزايد الهجرات العربية من مصر إلى ضعف فعالية الدولة. وأسهمت كل تلك العوامل مجتمعة في سقوط المملكة النوبية، وانهيار الحضارة النوبية المسيحية فيها.
وفي خلال القرون السبعة التي تلت فتح العرب لمصر وتوقيعهم لـ (عهد النوبة) إثر هجومهم على دنقلا في عام 651- 652م، تسرب العرب جماعات وأفراداً في يسر وبطء إلى بلاد البجه ومملكتي النوبة (المقرة وعلوة) المسيحيتين سعياً وراء المرعى وطلباً للتجارة. وكان توغلهم هذا عن طريقين أساسيين: أولهما من مصر عن طريق نهر النيل، وثانيهما من الحجاز عبر البحر الأحمر عن طريق موانئ باضع، عيذاب، وسواكن التي كان منشأها وازهارها متصلاً إلى حد ما بهيمنة العرب والمسلمين على مناجم الذهب والزمرد في الصحراء الشرقية أو ما عرف بأرض المعدن، واشتغالهم بنقل البضائع الهندية والحجيج بين تلك الموانئ وصعيد مصر.
وقضى البدو على ما تبقى من رسم تلك الدولة؛ فسادت الفوضى وتولد عنها نكوص اجتماعي، مما أدى إلى فراغٍ سياسي تردت إليه البلاد، إلاّ من دويلات صغيرة أو مشيخات قبلية، فيما يبدو، بذرت فيها نوى ثقافة جديدة، وعقيدة جديدة، ولغة جديدة مكتوبة، وكيان سياسي جديد.
أما مملكة علوه فقد غُلبت على أمرها، إثر تزايد الهجرات العربية، وتدني الحالة الاقتصادية بعد نضوب مناجم الذهب والزمرد وما ارتبط بها من نشاط اقتصادي في الصحراء الشرقية، واجتزاء زعماء الأعراب لأراضيها شيئاً فشيئاً حتى لم يبق منها إلاّ سوبه التي قُضِي عليها في تجمع عربي كبير في منتصف القرن الخامس عشر.
أدى تدفق الأعراب (أي البدو غير المستقرين من العرب) في أعداد كبيرة بعد انهيار الحكومة المركزية إلى انتشار الفوضى وبداية فترة مظلمة استمرت لنحو قرنين من الزمان (1317-1504). ويعكس ما سطره العلامة ابن خلدون (1333-6-1405) ما وصلت إليه مملكة النوبة في أواخر أيامها: " إن الجزية انقطعت بإسلامهم (أي النوبة، وهم سكان بلاد النوبة) ثم انتشرت أحياء العرب من جهينة في بلادهم واستوطنوها وملكوها وملأوها عبثاً وفساداً. وذهب ملوك النوبة إلى مصانعتهم بالمصاهرة، فاخترقوا ملكهم وصار بعض أبناء جهينة من أمهاتهم ملوكا على عادة الأعاجم في تمليك الأخت وابن الأخت فتمزق ملكهم واستولى أعراب جهينة على بلادهم".
ويواصل ابن خلدون: "وانتشروا (أي عرب جهينة) بين صعيد مصر وبلاد الحبشة وكاثروا هناك سائر الأمم وغلبوا النوبة وفرقوا كلمتهم وأزالوا ملكهم وحاربوهم فأرهقوهم إلى هذا العهد". وعندما كثر عدد العرب، وزادت شكواهم من ظلم حكام علوه، كما جاء في الروايات الوطنية دعا عبد الله جمّاع القريناتي القبائل العربية لمحاربة العنج في نحو منتصف القرن الخامس عشر. فتجمعت القبائل وحاصرت سوبه وقضت عليها بحد السيف. ومن قرّي، التي اتخذوها عاصمة لهم، امتد نفوذ العبداللاّب، أحفاد عبد الله جمّاع، على أجزاء كبيرة من سودان وادي النيل.
كان قيام مملكة العبداللاّب معلماً هاماً في تاريخ انتشار الثقافة العربية الإسلامية في سودان وادي النيل. ومن غير ريب فإن البدو قد أبلوا بلاءً حسناً في تحقيق هذا النصر. فقد دخل الأعراب إلى البلاد في جموع غفيرة، وكانوا ذوى مقدرة على التحرك السريع بفضل إبلهم وقلة متاعهم وربما ميلهم (الفطري) للقتال. هذه الصفات جعلت البدو في موضع يمكنهم من بسط نفوذ كبير على الحضر من زراع وغيرهم.
وخلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، أي إبان الفترة التي تضاءل فيها نفوذ الحكومات المركزية انفتح العرب على النوبة والبجة والعنج وسكان السهول مخالطةً، وتحالفاً، ومصاهرةً. ونتج عن ذلك هجين جديد اعتنق العقيدة الإسلامية وتمثل الثقافة العربية. وبدأ التغيير بعمليتين سارتا جنباً إلى جنب أحياناً، وتداخلتا في معظم الأحيان. الأولى لغوية ثقافية والثانية عرقية. وتشمل العملية الأولى اكتساب اللغة العربية، واعتناق العقيدة الإسلامية، وتمثل النسب العربي والانخراط في تنظيم قبلي. وتقوم العملية الثانية على المصاهرة وما يتبعها من تفاعل عرقي واختلاط بيولوجي. وصار الانتماء إلى أصل عربي هو عقد الانتماء الكامل وأداة التفاعل الاجتماعي، أو بطاقة الهوية في المجتمع الجديد. ومن ثمَّ يبدو أن سلسلة النسب صارت ذات دلالة اجتماعية أكثر من أن تكون ذات معنى عرقي. وتعكس كتابات النسَّابة السودانيين، وعلى رأسهم السمرقندي، ما لقيه هذا الفهم من تطور بعد قيام مملكة العبدالَّلاب العربية، ومملكة سنّار الإسلامية.
لم يتمتع العبداللاّب بانفرادهم بالسلطة طويلاً، إذ سرعان ما نافستهم الحكم قوة أخرى وفدت من أعالي النيل الأزرق بقيادة عمارة دونقس، زعيم الفنج. وفي عام 1504 اصطدمت القوتان في أربجي وهزم العبداللاّب. ولكن ما ذهبت إليه يتجاهل رواية أخرى تغفل ذكر هذه الهزيمة. وتزعم هذه الرواية أن سقوط سوبه كان ثمرة جهد مشترك بين العرب والفونج، وتخلص إلى أن ذلك الجهد توّج بتكوين الحلف الفونجاوى العبداللاّبي الذى أدار البلاد حتى عام 1821م.
ولعل ما أورده الرحالة الاسكتلندي جيمز بروس، الذي استقى معلوماته من بلاد الفونج عام 1772، يعطي تفسيراً مقبولاً. فيقول في معرض حديثه عن أصل الفونج: "إن أمير هذه البلاد {يعني مملكة العبداللاَّب} من بني قريش، ويلقب بود عجيب .. وهو زعيم العرب بأسرهم، ...، ومقر الأخير في قريّ .. وكان لهذا الأمير جيش كبير من الفرسان يساعده على جمع الضرائب .. واستمر حال الحكومة هكذا في هذه البلاد الشاسعة والتي تمتد من حدود مصر حتى حدود الحبشة من بداية القرن التاسع عشر".
وفي سنة 1504م توجهت أمة من السود، لم تكن معروفة من قبل، وكانت تسكن على الشواطئ الغربية للنيل الأبيض على خط عرض 13ْ في مجموعة كبيرة من الزوارق في غارة على مديريات العرب، وفي معركة بالقرب من أربجي هزموا ود عجيب وأرغموه على التسليم بشروط أملوها وهي أن يدفع العرب للفاتحين نصف ما يمتلكونه من ماشية في مبدأ الأمر ومن بعدها سنة تلو الأخرى. وعلى هذه الشروط يتمتع العرب بسيادتهم على ممتلكاتهم السابقة دون مضايقة. وأن يحتفظ ود عجيب بمكانته واعتباره، على أن يظل دائماً على استعداد تام لاستعمال القوة لإرغام العرب". والفونج شعب إفريقي أسود، كان أتباعه رعاة بقر في مبدأ أمرهم، وربما كان تكوينهم الاجتماعي أقرب إلى البنية القبلية مثل شيوخ العبدالًّلاب، عند ظهورهم، ولكن ما أن تبوأت القبيلتان السلطة واستقرتا حتى صارتا نخبا حاكمة.

على هزيمة العبداللاّب في أربجي قيام صرح سياسي جديد، توحدت فيه ممتلكات الفونج والعبداللاّب وما أضيف إليهما من دار البجه وأجزاء كبيرة من كردفان. وشكلت الدولة في قمتها نمطاً من الحكم الثنائي يعطي سلاطين الفونج الكلمة العليا في إدارة البلاد جميعها ويعطي ملك العبداللاّب حق إدارة ممتلكاته نيابة عن السلطان. وتتألف الدولة من تحالف فضفاض بين الفونج والدويلات الصغرى والمشيخات المتعددة التي ترجع جذورها إلى الفترة الواقعة بين 1317 و 1504م. وكانت سيادة الفونج المركزية سلطة شبه اسمية، إذ أن الكيان الجديد، فيما يبدو لي، قد عجز عن استيعاب البنيات القبلية والدويلات الإقليمية ضمن كيان مركزي فعّال.
إن عهد الإقطاع الذي بدأ على شواطئ النيل في أواخر العصر المسيحي بلغ ذروته بعد الإطاحة بالممالك المسيحية. وكان ذلك إثر تفاعل الإقطاع المحلي مع اللامركزية القبلية المفرطة. وبتمازج هذين العاملين نشأت العديد من الدويلات الصغرى (أو الإمارات) المتمركزة حول القلاع. ولعل ما ذكره القلشقندى من وجود ثماني إمارات بأبواب النوبة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وما أورده الفارز من وجود مائة وعشرين قلعة تحت إمرة مائة وعشرين قائد شبه مستقل، في مطلع القرن السادس عشر، يؤكد هذا التطور. فلما أطلت التنظيمات المركزية من جديد عند قيام مملكة العبداللاّب أولاً، وسلطنة سنّار ثانياً، كان يغلب على بنيتها أحلاف إقطاعية فضفاضة غير مستقرة استندت في بقائها على قوة الجيش. ويبدو أن لامركزية متنامية كانت القوة الدافعة وراء التطورات السياسية التي تزامنت مع فترة الهجرات العربية الممتدة من القرن الثالث حتى نهاية القرن الخامس عشر. فبعد أن أَضعفت الإقطاعيات المحلية الممالك المسيحية، أطاح النظام القبلي اللامركزي بتلك الممالك وحلَّ مكانها في حكم البلاد.
إن جنوح القبيلة العربية البدوية للهجرة طلباً للكلأ والماء يجعل نظامها (السياسي) غير مستقر. وفوق الأسباب البيئية السالفة، فإنها رغم انتمائها إلى أصل عربي واتباعها عقيدةً واحدة وانتساب أبنائها في الأغلب إلى جد واحد وتمسكها بثقافة ونظام اجتماعي متجانسين والمنافحة عن دار (أو أرض) القبيلة والولاء لمجتمعهم وزعيمهم في تعامل تغلب عليه روح المساواة والديمقراطية؛ فإن ظاهرة انفصال بعض الفروع بسبب الصراعات الداخلية، أو كبر حجم القبيلة فوق إمكاناتها الحالية، وانضمام جماعات أخرى إليها ظاهرة كثيرة الحدوث.
فلما تحقق الاستقرار لبعض البدو، خاصة الزعماء منهم صاهروا بعض الزعماء النوبيين وتبوأوا مراكز قيادية في المجتمعات النيلية مستفيدين من قلاع الإقطاعيات النوبية ومن مؤازرة الأعراب لهم. وصار أحفاد هؤلاء الشيوخ نواة الأسر الحاكمة في المنطقة الواقعة بين دنقله وسوبه. ومن الراجح أن عبد الله جمّاع قد استقطب هؤلاء الزعماء عند هجومه على سوبه فلما تحقق لهم النصر ظلوا في مواقعهم يمارسون إدارة إماراتهم أو مشيخاتهم ولكن على نسق تغلب عليه الوراثة. هذه الإمارات اقترنت بأسماء تجمعات قبلية عربية، كما سنرى.
ورثت سلطنة سنّار هذا الوضع القائم على تحالف عريض بين مشيخات مملكة العبداللاّب وصارت المشيخات القبلية هي النسق الإداري الغالب على مستوى الدولة القاعدي. وعليه فليست هناك حكومة مركزية بالمعنى الدقيق، فقبضة الدولة على الأطراف غير قوية ولا توجد أجهزة تنفيذية متماثلة تنتشر في طول البلاد وعرضها عدا التنظيم القبلي الذي يغلب عليه مصطلح مشيخة ورئيسها الشيخ أو المك (وجمعها مكوك) وتقابلها كلمة الملك في اللغة العربية.
وفي إطار الحلف الفونجاوي – العبداللاّبي مارس الفونج سلطتهم كاملة على المنطقة الواقعة بين أربجي وسنّار, وكانوا يحكمون المشيخات شبه المستقلة الواقعة جنوب سنّار وإلى الشرق والغرب منها، مثل مملكة فازوغلي (والتي يكوّن سكانها شريحة هامة من بقايا السكان الأصليين)، ومشيخة خشم البحر (وشيوخهم من عرب القواسمة) ومشيخة الحمدة، ومشيخة أتبره، وبيله، ومشيخة البني عامر، والتاكه (أوالحلنقة – وهم من البجه)؛ والغديات (منطقة الأبيض). وكذلك مشيخة الشنابلة، في منطقة المسلمية، شمال سنّار.
أما نواب الفونج، فكانوا يحتلون الجزء الشمالي من السلطنة، الواقع بين أربجي والشلال الثالث، كما أن نفوذهم السياسي يمتد على أجزاء من ديار البجة، ويشمل الجموعية وبدو الحسانية والكبابيش وبني جرار غرب النيل الأبيض. وكان حكم العبداللاّب المباشر محصوراً بين أربجي وحجر العسل. وفي هذه المنطقة تقع حاضرتهم أولاً في قرّي، وثانياً في حلفاية الملوك. وكما نوَّهنا من قبل فقد اعتمد نفوذ العبداللاّب على سلسلة من المملكات والمشيخات. وأولى هذه الممالك من الجنوب، مملكة الجعليين، وفي نطاقها تقع مشيخة المجاذيب شبه المستقلة، وذات النفوذ الديني الكبير، ثم مملكة الميرفاب في بربر وتشمل مشيخة راس الوادي؛ ثم ممالك الرباطاب، فالمناصير، فالشايقية. وتتكون المملكة الأخيرة من أربع مملكات صغرى هي: أمرى، مروى، حنّك، وكبجي – التي ما زالت قلعتها ماثلة للعيان، ويليها مملكة البديرية وتشمل مشيخات الدُفَار، أبكر، جزيرة تنقسي، دنقله والخندق، وأخيراً مملكتا الخناق وأرقو وملوكهما من الجوابرة والحكماب. أما المنطقة الواقعة شمال الشلال الثالث فكانت تابعة للخلافة العثمانية، ويحكمها الكشاف حكماً إقطاعياً. وكان الكشاف، مثل المشايخ يشكلون البنية الوطيدة للحكومة. وظل بعض هؤلاء المشايخ يتمتع بسلطاته حتى في عهد الحكومات المركزية الاستعمارية.
فرض الفونج سلطتهم على هذا التحالف الفضفاض عبر طرق ثلاث هي: تعيين المشايخ أو الزعماء، فرض الضرائب، والتدخل العسكري. وكان حق تعيين ملوك العبداللاّب ومن دونهم من الملوك والشيوخ مقصوراً على سلاطين الفونج. وتتم مراسيم التعييِّن في سنّار وعادة ما يمنح السلطان الملك أو الشيخ المرشح الككر (أي المقعد)، والطاقية ذات القرنين، والسيف وأحيانا قلادة من الذهب، وكلها من شارات السلطة. وكان ملوك العبداللاّب يجرون نفس المراسم على من هم دونهم. وإمعاناً في الحيطة كان سلاطين الفونج يتبعون مراسم منح السلطة بتزويج بناتهم من الملوك الجدد ليضمنوا ولاءهم، ولتكنّ –الزوجات- رقيبات على تصرفات أزواجهنّ. ومن تقاليد الفونج أن تلد الأميرات أطفالهن في البلاط الفونجاوي حيث يشب أبناؤهن في كنف النواميس الفنجاوية، ومتى ما اختير الملك الجديد عاد إلى مملكته ليمارس سلطاته كاملة في نطاق الأعراف السائدة في مجتمعه الأول.
كانت جباية الضرائب واحدة من أهم المناشط التي يؤديها الملوك والشيوخ نيابة عن سلاطين الفونج. فإذا ما تقاعس هؤلاء في أداء هذا الواجب، أو تمردوا، أجبروا على تأديته قسراً، وبحملات عسكرية تأديبية.

الروايات أن سنَّار عاصمة دولة الفونج اسم لجارية كانت أول من سكن المنطقة، ثم عمرت وأصبحت مقراً لأحد نواب عمارة دونقس، واختطها عمارة دونقس فيما بعد عاصمة له. ونتيجة لتلاقح التيارات البشرية المختلفة وتكامل جهودها تم إقامة صرح سياسي جديد توحدت فيه مملكة العبدالَّلاب وأراضي سلطنة سنّار وما أضيف إليهما من ديار البجة في الشرق وأجزاء كبيرة من كردفان في الغرب، وبهذا أصبح الصرح الجديد أكبر نطاق جغرافي متحد في وادي النيل الأوسط منذ مملكة مروي. وصارت سنَّار مدينة لا يستهان بها لها علاقات مع أجزاء من أفريقيا وأجزاء من بلاد آسيا مثل الهند والجزيرة العربية، وأصبحت قوة ضاربة لنشر الإسلام والعلم في البلاد. كما استفادت من التراث المعماري لدى سكان الشمال الموغل في التاريخ إلى الحضارات القديمة في نبته ومروي، وعمرت الديار عماراً عظيماً حتى أصبحت قبلة لكل محتاج لعلم أو رزق أو حماية، وفي ذلك تورد مخطوطة كاتب الشونة أبياتاً للشيخ عمر المغربي مادحاً للسلطان بادي الرابع، يقول مطلعها:
أيا راكباً يسري على متن ضامـــــرٍ
إلى الغرب يهدي نحو طيب الذكر
(...) لك الخيرات إن وافيت سنار قف بها
وقوف محب وانتهز فرصة العمر
وألق عصا التسيار في سوح نفســــها
تجد كل ما تهوى النفوس من أمر

وعن دور سلطنة سنّار في حماية راية الإسلام والزود عنها يقول:
"إلى حضرة السلطان والملك الــذي
حمى بيضة الإسلام بالبيض والسمر
هو الملك المنصور بادي الذي لــه
مناقب قد جلت عن العد والحصـر
(...) حمى حوزة الدين الحنيف بالقنا
وأصبح صدر للعلا حايز الصـدر
ويجرد للإسلام والملك صارمـــاً
أباد به الطواغيت والكفـــــر
وجاهدهم في الله حق جهــــاده
وفاز بأنواع المثوبة والأجـــر"
كما ذكر شيئاً عن صلاح أحوال سنَّار ورخاء معيشتها واتساع حرياتها حتى أصبحت قبلة لكل محتاج للمال أو طالب للعلم، فيذكر:
"به طمن الله البلاد جميعـــــها
وألبسها ثوب السيادة واليسـر
وأضحت به سنّار في الأنس والصفا
وتاهت على البلدان حتى مصر
فإني فقير والفضائل حرفتــــي
وفي مصر أرباب الفضايل في قهر
وفي قصيدة أخرى للشيخ عمر المغربي شيئاً عن جمال سنَّار وهيئتها وعمارها:
"لك الخير إن وافيت سنار قف بها
وقوف محب ذي وفاء وذمة
وألق عصا التسيار في سوح أرضها
تجد راحة فيها وأوفر حرمة
وصابح رعاك الله طيب نسيمــها
ومنظرها الباهي بأجمل هيئة
وعرِّج على قصر العزيز مليكــها
جميل المحيا زين كل قبيلة"
لدينا وصف واضح للعمارة في مملكة سنّار لكن نستشف من بعض ما ورد في مخطوطة كاتب الشونة حول وصف الجامع العظيم في سنَّار، وقصر الحكومة، أن الدولة قد عرفت البنيان الرأسي الشاهق حتى أن قصر الحكومة وصل إلى خمسة طوابق، وقد خصصت لمهمات الدولة وإدارة شئونها. وتفصل نسخة الشريف يوسف الهندي من مخطوطة كاتب الشونة الخبر على هذا النحو: "... قصر الحكومة الفخيم الذي جعله خمس طوابق على بعضها كل طبقة تحوي عدة محلات شرعية لكل محل بيت رجالي وآخر حريمي ومطبخ ومستراح ومخزن. وأن الطبقات العليا محاطة بدرابزين من العاج أعني سن الفيل وخشب الأبنوس". ويضيف كاتب الشونة أن السلطان قد جلب إلى الجامع العظيم "شبابيك النحاس الأصفر من الهند ومصر مع الخبير أحمد علوان (...) وأحضروا معهم شبابيك خشب العود وأبواب الساج من الهند". كما جعلوا حول الجامع العظيم عمارة من عدة مقاصير للطلبة. وللخطيب أنشأوا عمارة مقصورة مخصوصة به لراحته وتغيير ملابسه للخطبة والصلاة. كما اشتهر قصر السلطان بسراير الساج المسماة (أبو راكوبة) والتي يصعدونها بالسلالم. وبالجملة فقد بلغت مباني الحكومة الإدارية ثلاثمائة مبنى جميعها كانت من الطوب الأحمر والجبص المتين. وجميع سراير قصر السلطان كانت من العاج الملقم بالذهب.
ولجلوس الملك أُنشئَ ديوانان أحدهما داخل القصر الملكي والثاني خارجه. كما أنشئت في سنَّار ثمانية دواوين أخرى لوزراء السلطان، لكل وزير ديوان ينظر فيه لشأن من شؤون المملكة، وجميع هذه (الوزارات) محاطة بسياج واحد، ولكل وزير باب مخصص يدخل منه لديوانه. وروى كرمب 1701م أن هذا القصر من السعة بحيث لا يمكن إحاطته في أقل من ثلاثة أرباع الساعة سيراً على الأقدام.
ومن المنشآت المميزة في سنَّار والتي تعطي صورة حسنة على طبيعة الحكم في مملكة سنّار (دكة من ناداك) وهي مصطبة بنيت في الميدان المجاور للقصر تحت سقيفة عالية أمام سور الدواوين، ورفعت هذه الدكة المستطيلة بأعمدة من الجبص، ليلجأ إليها المظلوم أو صاحب الحاجة ومن فوقها يصيح بشكواه. وفي إنشائها، وقرب موقعها من تلك الدواوين ما يدلل على قرب الصلة بين الحاكم والمحكوم ويعبر عن قدر من الشفافية لدى حكام سنّار، وهو ضرب من ضروب المدنية وتطور نظام الحكم في سلطنة سنّار.
وبحسب ما أورده كاتب الشونة فقد بقيت هذه العمارة قائمة حتى مطلع الحكم التركي في السودان 1821م.

دولة سنّار شأواً رفيعاً في التجارة والرخاء الاقتصادي، بلغ قمته في عهد الملك بادي الرابع، فبلغت تجارتها الهند ومصر والجزيرة العربية وأجزاء واسعة من إفريقيا. وكان للحريات التي أتاحتها الدولة وسياسة الانفتاح كبير الأثر على ذلك الازدهار فلم تقف الدولة عند قضية دين أو عرق أو نوع لتشكل حاجزاً أمام التجارة، حتى أن امرأة يقال لها فاطمة بنت سالم، وهي زوجة عمار بن عبد الحفيظ خطيب وإمام مسجد سنَّار، وعاشت في الربع الأخير من القرن السابع عشر، كانت من سيدات الأعمال في سنَّار ومن أغنى تجارها وكانت تستورد البضائع من مصر والهند وتصدر إليهما بضائع وسلع أخرى. ومن الهند استوردت الدولة الحرير والصندل والبهارات وخشب السُرتي المستورد من مقاطعة سرات الشهيرة بالهند، كذلك العطور والفركة السُرتية وغيرها. وصدَّرت الذهب والعاج والضفر. وليس أبلغ في وصف حالة مملكة سنّار الاقتصادية مما ذكره الرحالة الألماني كرمب حيث يقول: "وليعلم القارئ أن سنَّار أقرب لأن تكون أعظم مدينة تجارية في إفريقيا فإن القوافل التجارية ترد إليها من القاهرة ودنقلا ودارفور وبرنو وبلاد النوبة ومن وراء البحر الأحمر ومن الهند وأثيوبيا وغيرها. فهي مدينة كبيرة تقطنها وتتردد عليها مجموعات من كل الأجناس والأديان دون أي صعوبة، وتأتي بعد القاهرة من حيث كثافة السكان، وفيها سوق كبير يفتح أبوابه على مدار أيام الأسبوع في ميدان المدينة، وتباع فيه أنواع البضائع والأواني والأقمشة وسن الفيل والأبل والخيل والحمير والحطب والبصل والتمر وغيرها من السلع". وقد استفادت الدولة من ميناء سواكن للتجارة مع الجزيرة العربية والانفتاح على آسيا.

طبيعة الدولة الفضفاضة وسعة رقعتها وتباين أعراقها وتنافس المشيخات إلى ضرورة إنشاء جيش مدرب ذي كفاءة قتالية عالية. وفي البدء كانت الدولة تعتمد على نوعين من الجنود: أولهما المقاتلون التقليديون المجندون من القبائل كافة ويشملون الخيَّالة والأبَّالة. وثانيهما (جنود لولو) الذين أسهموا في قيام الدولة وفي المحافظة على تقاليدها. ومنذ عهد السلطان بادي أبو دقن بدأت الدولة تقلل من اعتمادها على الجنود التقليديين. فقد استغل السلطان الأعداد الكبيرة من أسرى حروب كردفان، خاصة منطقة جبال النوبة، وكوَّن منهم جيشاً أشبه بالجنود المماليك (وهم سلالات غير عربية)، وكان ولاء هذا الجيش الأول للسلطان. وتكاثر عدد هؤلاء الجنود بالسبي والشراء. وعند زيارة بروس لسنَّار كانت الدولة تعتمد على جيش مدرب عماده الخيَّالة ذوي الأسلحة الثقيلة، وكان الفارس يتدثر بقميص من الحديد وقلنسوة من النحاس ويحمل رمحاً وسيفاً عريضاً ودرعاً بيضاوي الشكل. وكان جلَّ هؤلاء الخيالة من السود، وكانوا يمتطون صهوات جياد حسان سود اشتهرت بالأصالة وقوة الاحتمال. وكان هذا الجيش المدرب الكفء بمثابة القوة الضاربة المدخرة لمواجهة الأخطار الكبرى. ولم يكن عدد هذا الجيش كبيراً إذ أن تكاليف إعداده وتسليحه باهظة الثمن، ولم تكن هذه التكلفة ميسورة إلا للفونج والعبدالَّلاب، وكان لكل حاكم إقليم جيشه الخاص به، وفي حالات المخاطر الكبرى كانت الدولة تستدعى جيوش الأقاليم للمشاركة في درء تلك الأخطار.
كان لبَّ الجيش من الفرسان الذين يكونون جزءاً هاماً من الطبقة الأرستقراطية الحاكمة، وكانوا يتوارثون تلك المهنة، وكانت بعض أسلحتهم تستورد من الخارج، إلا أن الصناع السودانيين كانوا يجيدون صناعة الدروع الفولاذية. وفي عهد السلطان بادي الأحمر (1696-1716م) بدأت عملية تحديث للجيش وذلك بإدخال بعض الأسلحة النارية كالبندقية والمدفع، والأخذ بنظام التدريب العسكري المعمول به عند مماليك مصر. وقد استقطبت الدولة بعض الأوربيين لإنشاء مسبك لصناعة المدافع. وعند تمام سنة 1700م صار للسلطان فرقة خاصة من حملة البنادق الصغيرة قوامها مئتا جندي، ولكن استعمال المدافع لم يكن أمراً عملياً في بلد لا تستعمل فيه عربات النقل.
اعتبرت العناصر المحافظة محاولات التغيير والإصلاح في الجيش خطراً عليها، فثارت على ذلك التوجه يدعمهم في ذلك بعض الفونج ومك إليس، ومك العبدالَّلاب. وكان الصدام بين الجيش الخاص المكوَّن من الموالي وبين القوى التقليدية أحد مظاهر الخلل التي بدأت تنخر في كيان الدولة.
إن قيام سلطنة سنّار الإسلامية وتطورها العملاق قد أسس على تفاعل طويل المدى عميق الأثر بين ثلاثة روافد هي التيار السوداني والإسلامي والعربي. وكان الإسلام جوهراً وإطاراً هو المحرك الأساسي في تفاعل هذه التيارات وما خلفته من تراكمات عرقية ودينية وثقافية واجتماعية على شعوب سودان وادى النيل.

انتشار الإسلام عند قيام سلطنة سنّار اسمياً في كثير من مظاهره؛ وكان الرواد من دعاة الإسلام من التجار والبدو، الذين اهتموا بنشر المبادئ العامة للعقيدة وأبجديات الفقه. وحقيقة الأمر أن التحول من المسيحية والمعتقدات الأفريقية إلى الإسلام كان بطيئاً. والسبب في ذلك أن المسيحية لم تندثر بنهاية الكيان السياسي لمملكتى النوبة وعلوه، بل إن الكيان السياسي ظل مزدهراً في بعض الجيوب مثل دوتاو. وظلت الثقافة المسيحية مزدهرة في بعض صورها حتى وقت متأخر. والراجح أن المسيحية والإسلام ظلا يعيشان في سلام، رغم ما بينهما من تنافس زمناً طويلاً. فلم يرد أن المسلمين فرضوا دينهم عنوة في هذه البلاد.
فلما غلب العبداللاّب والفونج على البلاد في مطلع القرن السادس عشر، "لم تشهد تلك البلاد مدرسة علم ولا قرآن" ،على حد تعبير ود ضيف الله، فإن مناخ الاستقرار والوحدة السياسية ساعد على خلق مناخ مناسب لنشر تعاليم الإسلام على نهج أعمق وأشمل مما ألفه الناس من قبل.
ففي البدء هاجر بعض السودانيين للاستزادة من المعارف الإسلامية من مصر والحجاز، بينما جذبت البلاد بعض العلماء والمتصوفة. اهتم العلماء السودانيون بتحفيظ القرآن الكريم وتفسير ونشر الفقه (رسالة ابن أبي زيد القيرواني ومختصر خليل بن إسحاق) والتوحيد والحديث والسيرة وعلوم اللغة العربية. إلا أن هذه الثقافة الفقهية، والتي تمثل التيار الرئيس للدعوة الإسلامية لم تستهو كل السودانيين، إذ فضل عامة الناس الانخراط في سلك الطرق الصوفية. وكانت الطريقة القادرية أولى الطرق انتشاراً وأكثرها قبولاً. وسعى الصوفية إلى نشر مبادئ الإسلام وفق منهج سلوكي معين يأخذ بمبدأ التبسيط مع المداومة على قراءة أذكار وأوراد معلومة. وكان انتشار الإسلام على أيدي مشايخ الطرق الصوفية أوسع نطاقاً، فأحبهم العامة والخاصة.
ودفع، ذلك التوجه، الفقهاء ليترسموا خطى رجال التصوف، لينالوا الحظوة عند العامة والحكام، فجمع العلماء بين علمي الظاهر والباطن، حتى صار من المتعذر الفصل بين الوظيفتين في المجتمع الفونجاوى. ويظهر ذلك جلياً في استعمال كلمة "فكي" وجمعها "فقرا" للدلالة على الفقيه العالم والفقير الصوفي في آن واحد. بهذا التلاقح بين النهجين الفقهي والصوفي وضعت النواة الأولى للخصائص المميزة للثقافة الدينية في السودان والتي انعكست على التكوين الاجتماعي والسياسي الذي تميّزت به الدولة السنَّارية. ونجد في ما سطره ود ضيف الله في كتاب الطبقات خير دليل على هذه الخاصية.
ومن أهم منجزات المنهج الصوفي، سعيه تحت راية الإسلام لإضعاف روح العصبية العرقية والولاء القبلي، بتشجيع الإخاء بين المريدين سواءً كان أولئك المريدون عرباً، سوادنيين أو مستعربين أو غيرهم ممن اعتنقوا الإسلام. وقد أسهمت الطرق الصوفية عند غياب حكومة مركزية قوية في تكوين الأطر الاجتماعية والدينية بين الشعوب السودانية في كنف الإسلام الرحب.
وما أن غلب الإسلام على الجزء الخاضع لنفوذ العبداللاّب وأحرز الاستعراب تقدماً ملحوظاً حتى خرج جماعة من التجار والعلماء ورجال الطرق الصوفية إلى منطقة جنوب الجزيرة وكردفان، ودارفور ساعين لتعميق التعاليم الإسلامية في تلك المناطق. وليست ظاهرة "الغريب الحكيم" التي ارتبطت بقيام سلطنة سنّار أولاً ومملكتي الفور وتقلي ثانياً إلاّ تعبيراً عن جوهر حركة الإسلام والثقافة العربية في تفاعلهما مع المجتمعات السودانية.
وبلغ من علو شأن بعض العلماء أن انتشرت دعوتهم وسط جيرانهم من الأفارقة الذين قصدوهم طلباً للعلم والمعرفة، حتى بلغ مجلس أحد الشيوخ حوالي الألف طالب من التكرور ودار صليح. وكان هذا النشاط الدعوي إضافة لاختلاط المجموعات المحلية بالمجموعات القادمة في طريق الحج من غرب أفريقيا، مما ساهم في التشكيل الاجتماعي والثقافي للمجموعات السودانية وانضوائهم تحت لواء المحبة والإيمان.
ومثلما كانت المسيحية عامل توحيد بين النوبيين، صار الإسلام عامل توحيد بين كثير من الشعوب السودانية على اختلاف أصولها ووَّحد بينها تحت إدارة واحدة.
أدى انتشار اللغة العربية، والثقافة العربية إلى دعم التوجه الوحدوي الذي أرسى الإسلام دعائمه، وقوَّت الطرق الصوفية مساره، ودعمته عملية التلاقح بين العرب وجلَّ السودانيين، وأدى هذا التفاعل إلى إعطاء سلطنة سنّار درجة كبيرة من التجانس الثقافي والاجتماعي والوجداني حتى صار الناس يتحدثون عن الحجيج السنّاري والقافلة السنّارية والرواق السنّاري ويوصف السوداني خارج بلاده بأنه سنّاري.
كان ملوك العبداللاّب، وسلاطين الفونج وراء هذا الإنجاز الحضاري الكبير، ففي عهدهم اكتملت الوحدة السياسية والإطار الإداري وفيه برزت مقومات الهوية السودانية وخصائصها الثقافية، وبجهود زعمائها اكتمل توحيد الجزء الأكبر من سودان وادي النيل. ومن سلطنة سنّار خرج العلماء والصوفية، والتجار إلى كردفان ودارفور وما وراء سنّار يحملون مشعل الثقافة الإسلامية ساعين لخلق جسور من التواصل بينها وبين شعوب وادي النيل الأوسط. وقد شهد عهد مملكة سنّار قيام ممالك ودويلات إسلامية أخرى أهمها: سلطنة الفور، ومملكة تقلي، ودولة المسبعات، وغيرها من المشيخات.
نخلص إلى أنه، وعند مطلع القرن التاسع عشر، تفتقت دولة سودانية ذات نظام فدرالي دانت له كل البلاد الممتدة من الشلال الثالث حتى جنوب النيل الأزرق. وورثت هذه الدولة منجزات المجموعات السكانية المختلفة على طول تلك المنطقة من لغات وطنية وعربية، وأديان إسلامية ومسيحية ووثنية في بعض الجيوب، كما ورثت الأعراق السودانية المختلفة وأحدثت تحولاً اجتماعياً وثقافياً استمر لبضعة قرون أدى في النهاية إلى خلق نوع من الترابط والتماسك بين قبائل السودان وشعوبه وممالكه المختلفة، وبذرت مقومات وحدة وطنية وثقافية وبداية لبلورة مفهوم القومية السودانية وهي تدخل مرحلة الوحدة السياسية. وما أشبه الليلة بالبارحة وما أحوجنا اليوم، وبلادنا تخطو نحو السلام الدائم، إلى ترسم خطى مملكة سنّار الإسلامية وفضائها الحضاري.
 

Loading